تتسارع أنفاسك، وتسابق نبضات قلبك بعضها بعضاً، ويضيق صدرك، وتتعرّق راحتا يديك، وتشعر بالغثيان، وحينما تتحدث ترتعش يداك وركبتاك ويلحق بها صوتك.

تُعَدّ هذه جميعاً أعراضاً شائعة لرُهَاب الوقوف أمام الجمهور والذي يُعرَف كذلك برُهاب المسرح، إذ يشعر ملايين الناس بردة فعلٍ لا إرادية حينما يقدِّمون عرضاً أو يتحدثون أمام الآخرين، فيفترضون أنَّ ثمَّة من يُطلِق الأحكام عليهم ويعتقدون بأنَّ الناس تعيرهم قدراً من الاهتمام (لا سيما النوع السلبي منهم) يفوق ذلك الذي يعيرونهم إيَّاه في الحقيقة، وفي هذه الحالة تتعامل أجسادنا مع كوننا محط اهتمام الآخرين بوصفه خطراً حقيقيَّاً.

يُعَدُّ رُهاب الوقوف أمام الجمهور أمراً طبيعيَّاً، ولكنَّ ذلك لا يعني بكل تأكيد أنَّه شيءٌ جميل، لأنَّ رُهاب المسرح يمكن أن يؤثِّر في حياتك المهنية والشخصية ويُضعِف تقدير الذات لديك ويمنعك من تولي أدوار قيادية في العمل. فإذا كنت تعاني رُهابَ الوقوف أمام الجمهور من المهم أن تسيطر عليه قبل أن يبدأ بالسيطرة عليك، لذا سنقدِّم لك خمس طرائق فعالة للتعامل مع المشكلة وتسخيرها لصالحك.

1- تظاهر بأنَّك مُتحمّس:

توصَّلت إحدى الدراسات التي أجرتها "كلية هارفارد للأعمال" (Harvard Business School) إلى طريقة جديدة للتعامل مع حالة التوتر التي تنتابنا قبل إلقاء خطابٍ ما، إذ إنَّها رأت أنَّ التظاهر بأنَّ التوتر الذي نشعر به ما هو إلا حماسةٌ في واقع الأمر يمثِّل طريقةً للاستفادة من الطاقة الناجمة عن الشعور بالتوتر ووضعها في قالبٍ إيجابي.

ويعتقد الباحثون بأنَّ اتّباع هذا النهج قد يكون أكثر نجاعةً من مجرّد محاولة تهدئة النفس لأنَّ محاولة القيام بذلك حينما يكون جسدك غارقاً في الأدرينالين يُعَدّ عملاً من أعمال الكبت ولا يُبقي أي مجالٍ للتنفيس عن تلك المشاعر. وفي المقابل يقدِّم تحويل الهلع إلى حماسة إطاراً يمكن من خلاله التعامل مع المشاعر.

اقرأ أيضاً: أهمية لغة الجسد في نجاح الإلقاء أمام الجمهور


2- لا تشغل نفسك إلَّا بالدقائق الخمس الأولى فقط:

يذكُر أحد الأبحاث أن الدقائق الخمس الأولى من الخطاب تُعَدّ الأكثر إثارةً للضغط وأنَّك ستشعر بعدها بالاسترخاء على الأرجح.

إنّ وضع هذا الأمر في الحسبان يمكن أن يقدم فائدةً كبيرة، فحينما تتمرن تأكَّد من أنّك تتقن ما ستقوم به خلال الدقائق الخمس الأولى (وسيسير بعد ذلك باقي العرض بصورةٍ طبيعية، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّه يجب عليك عدم التمرُّن على ما ستقدمه في هذا الجزء كذلك).

وحينما يحين موعد تقديم العرض أقنع نفسك بأنَّ كل ما تحتاج إليه هو تخطي تلك الدقائق الخمس الأولى. فإيمانك بأنَّك مستعدٌّ استعداداً كاملاً لأسوأ ما قد يحدث في أثناء التحدث سيمنحك الثقة في الدخول إلى القاعة بخطا واثقة. ولن تلاحظ على الأرجح كيف انقضت تلك الدقائق الخمس وستسير الأمور على ما يرام.


اقرأ أيضاً:
كيف تلفت انتباه الجمهور خلال عرضك التقديمي

 

3- ركِّز الاهتمام على المادة التي تقدمها لا على النقد الداخلي:

ينشأ رُهاب الوقوف أمام الجمهور عن حلقة من الحوارات السلبية التي يجريها الشخص مع نفسه والتي تسير على النحو الآتي: يطوِّر العقل قبل البدء بالعرض أو في أثنائه تصوُّراً للكيفية التي يجب عليك من خلالها النظر إلى الجمهور. ويتلقى في الوقت نفسه كل إشارةٍ تصدر عن الجمهور بوصفها تهديداً مُحتملاً، فإذا ما تثاءب أحدٌ من الجمهور أو استرق النظر إلى الساعة فإنَّ عقلك سيضخِّم هذا التصرف ويجعل منه أمراً كارثيَّاً. ولن يمضي وقتٌ طويل قبل أن تشعر بأنَّ جميع من في الغرفة يشعرون بالملل من العرض الذي تُقدّمه ويبغضونه.

الطريقة الأفضل لتجاوز هذه الدوامة التي لا نهاية لها تكمن في تركيز الاهتمام بعيداً عن نفسك، فتذكَّر أنَّ الجمهور أتى إلى هنا لا ليشاهدك بل ليستفيد من المواد والأفكار التي تقدمها له، فنركز الاهتمام على المحتوى الذي تقدمه قبل أي شيءٍ آخر، وستتجنُّب بذلك البقاء رهينة الحالة الذهنية السلبية.

4- تخيَّل أسوأ ما قد يحصل:

يميل الأشخاص الذين يعانون من رُهاب الوقوف أمام الجمهور إلى توقُّع حصول أسوأ الأمور، وحينما تسمع عباراتٍ تنطوي على التوبيخ من قبيل "ركز على الأمور الإيجابية" أو "اهدأ" فإنَّك تعلم بذلك أنَّ المجتمع يبغض أولئك الذين يركزون الاهتمام على النتائج السلبية المحتملة. وإذا كان حالك كحال أغلب الناس فسيؤدي ذلك إلى إبقاء مخاوفك طيَّ الكتمان.

المشكلة أنَّ تجاهل المخاوف يمنحها مزيداً من القوة لذا فإنَّ أفضل طريقةٍ للتعامل معها تكون من خلال التصدي لها مباشرةً. فاسمح لنفسك بتخيُّل كل ما يثير قلقك كالتعثُّر وأنت في طريقك نحو المنصة أو نسيان كل شيء في منتصف الخطاب.

ومن ثمَّ فكر في طرائق التعامل مع كل واحدة من تلك المخاوف فجهز دعابةً تقولها إذا ما تعثَّرت على سبيل المثال، وتدرَّب على هذه السيناريوهات حتى تشعر بأنَّ في إمكانك أن تتعامل بأريحيةٍ معها. وبهذه الطريقة تستطيع البدء بخطابك وأنت واثقٌ من أنَّك مستعدٌّ للتعامل مع كل ما يمكن أن يقف عائقاً في طريقك.

 

اقرأ أيضاً: 5 نصائح فعّالة لمواجهة الجمهور دون خوف


5- حسِّن علاقتك بنفسك:

يمكن لميل الشخص إلى الشعور بالرهبة من الوقوف أمام الجمهور أن يدل على امتلاكه مجموعة متنوعة من الصفات الشخصية التي تتراوح بين النزوع إلى المثالية والقلق الاجتماعي، إذ من المحتمل أن يشعر الأشخاص الذين يرغبون في أن يكونوا مَحطَّ إعجاب الآخرين أو يخشون من أن يكونوا عُرضةً للخطر برُهاب المسرح، وكذلك الأمر مع الذين يفتقرون إلى احترام الذات، أو لديهم حب السيطرة، أو يخشون من الإخفاق.

أحد الأمور الأساسية لتجاوز رُهاب الوقوف أمام الجمهور تكمن في تحديد العوامل التي تقف خلف المخاوف التي تراودك شخصيَّاً. وسيساعدك تعزيز الوعي بخبايا النفس، والتعاطف مع الذات، والثقة بالنفس على تجنُّب وضع نفسك تحت ذاك الكم الهائل من الضغط.

للأسف لا يوجد علاج دائم لرهاب الخوف من الوقوف أمام الجمهور فإذا كنت تشعر برُهاب المسرح فستشعر على الأرجح بالتوتر قبل أن تقدم عرضاً أو تلقي كلمة. الجيد في الأمر أن فهم الأمور التي تثير ذاك الخوف لديك يمكن أن يساعدك على استخدام الاستراتيجيات المناسبة للتحكم بانفعالاتك.

 

المصدر


المقالات المرتبطة