"إنَّ المعنى الحقيقي للحياة هو زرع الأشجار التي لا تتوقع الجلوس في ظلها".

"نيلسون هيندرسون" (Nelson Henderson)

بين يدي كتابٌ جميلٌ ومثيرٌ للإلهام لـ "جولي سالامون" (Julie Salamon) عنوانه: "سُلَّم رامبان: نظرة تأمُّلٍ إلى الكرم، ولماذا يُعدُّ العطاء أمراً ضرورياً" (Ramban's Ladder: A Meditation on Generosity and Why It is Necessary to Give). يعتمد الكاتب في هذا الكتاب على تعاليم "رامبان" وهو فيلسوفٌ وطبيب طوَّر منذ أكثر من ألف عامٍ سُلَّم "رامبان" الذي يحدد أشكال العطاء المتنوعة من أدناها – كدفعك المال مكرهاً مثلما تفعل مع المتسولين – إلى أعلاها – كمساعدتك شخصاً ما على أن يصبح معتمداً على ذاته. منذ مدة بعيدة وأنا أفكر تفكيراً عميقاً بمسألة الكرم برمتها بوصفها ميزةً مهمةً من ميزات القيادة وذلك من خلال مراقبة القادة الذين يتمتعون بهذه الميزة وأولئك الذين يفتقرون إليها.

عندما نفكر في الكرم فإنَّ أفكارنا تذهب بشكلٍ آلي نحو الهدايا المالية أو الأعمال الخيرية. ولكن ثمة في أثناء القيادة أنواعٌ أخرى من الهدايا ليس لها قيمة مالية ولكنَّ قيمتها لا تقدر بثمن. يتضمن هذا النوع من الهدايا منح الفرص للأشخاص، وإحسان الظن بهم، والقيام بإجراءاتٍ تجعلهم يرغبون في العمل لصالحك. حيث يتطلب ذلك منح الآخرين حرية الاختيار، والسماح لهم بارتكاب الأخطاء، وإعطاءهم جميع المعلومات التي يحتاجون إليها للقيام بالعمل. إنَّ هذا يعني منحهم السلطة التي تتناسب وحجم مسؤولياتهم ومنحهم التقدير الذي يستحقونه على أفكارهم. باختصارٍ شديد يمكن اختزال جميع هذه الأشياء باسمٍ واحد وهو سخاء الروح وهي الصفة التي نحب أن يتمتع القادة بها.

لقد كانت كلمة "كريم" تعني في يومٍ من الأيام "ذو الأصلٍ النبيل" وكانت ترتبط عادةً بأبناء الطبقة الأرستقراطية والذين من المفترض، بحكم الامتيازات التي يتمتعون بها، أن يظهروا كرمهم تجاه أولئك الذين هم أدنى منهم مكانةً. والقائد أيضاً بحكم منصبه وبحكم السلطة والامتيازات اللتين يتمتع بهما والمرتبطة بأولئك الأشخاص الذين يقودهم يُنتظر منه الارتقاء لمستوى التوقعات نفسها والوفاء بالالتزامات نفسها. أحد أبرز هذه الالتزامات هو القيادة بقلبٍ سخي والاسترشاد بـ "نبالة العقل". إنَّ لكرم القائد تأثيرٌ إيجابيٌّ قابلٌ للانتشار. وبالمقابل فإنَّ لغياب الكرم عنه سلسلة من النتائج السلبية والتي إذا ما توقف القائد للتفكير فيها فإنَّها قد تجعله يقف مذهولاً في مكانه.

إنَّني أؤمن بشدة بأنَّ الناس يحتاجون إلى أكثر من مجرد "وظيفة جيدة وقريبةٍ من المنزل". حيث يرغب معظمهم في أن تكون الوظيفة التي يؤدونها وظيفةً ذات معنى، إنَّهم يرغبون في أن يشعروا بأنَّهم جزءٌ من شيءٍ أكبر وأفضل. ويريدون معرفة أنَّ ما يقومون به هو أمرٌ ذو أهمية. يتفهَّم القائد ذو الروح السخية هذه الحاجة ويساعد الأشخاص على الربط بين الأفكار التي تساعدهم على رؤية كيف أنَّ العمل الذي يؤدونه له تأثيرٌ على الرؤيا النهائية للمنظمة بغض النظر عن بساطته.

ثمة قصةٌ مشهورة يرويها "توم بيترز" (Tom Peters) حول مستشفىً في الولايات المتحدة يعالج مرض السرطان. ففي أثناء سلسلة من المقابلات التي أُجريت مع طاقم العمل سأل أحد الأشخاص الذين يجرون المقابلات المُدبِّرَةَ (المسؤولة عن ترتيب المشفى) عمَّا يتضمنه عملها فأجابت: "إنَّني أساعد على الشفاء من مرض السرطان". ثمة قائدٌ في مكانٍ ما في المستشفى وضَّح الأفكار لهذه المرأة وجعلها تشعر بأنَّها جزءٌ أساسيٌّ من رسالة المنظمة. هل تفعل أنت ذلك مع الموظفين الذين يعملون في وحدتك أو منظمتك؟ ثمة الكثير من الحديث في هذه الأيام حول الافتقار للمشاركة لدى القوة العاملة. تخيَّل حجم مشاركة الأشخاص عندما يجعلهم القادة يشعرون بأنَّهم جزءٌ أساسي من نجاح المنظمة وبأنَّ الجميع من عامِل الاستقبال أو عامل البريد وحتى نائب الرئيس لتطوير المنتج يشكلون الخيوط المتينة التي يحاك منها نسيج الشركة. فكلُّ الأشخاص يؤدون أدوارهم بالتساوي لمنح النسيج قوته. فلا يكتفي القائد صاحب الروح السخية بتفويض الأعمال الروتينية فحسب ولكنَّه يتفهَّم الحاجة إلى تفويض الأعمال المهمة والتي تصبح هديةً لتطوير شخصٍ آخر وإنماءه. كم نحب هؤلاء القادة. هؤلاء القادة هم الذين يجعلوننا نرغب في النهوض صباحاً من السرير والتوجه إلى العمل لنقدم لهم أفضل ما عندنا. هؤلاء القادة هم الذين يجعلوننا نبذل جهودنا يومياً بشكلٍ طوعي.

وماذا عن هدية المعلومات؟ أظهر استطلاعٌ نُشر على موقع (1000 Ventures) حول التحفيز الفعال أنَّ من بين أحد أبرز العناصر التي يرغب الأفراد في الحصول عليها في أماكن العمل هو أن تكون لهم قدرة الاطلاع على ما يحدث. حيث صُنِّف هذا الأمر في المرتبة التاسعة ضمن قائمة من 10 عناصر مُرتبةٌ تنازلياً من حيث الأهمية. وممَّا يثير العجب أنَّ ثمة من بين القادة من صنَّفوا هذا العنصر في المرتبة الأولى، وهذا ما يُعَدُّ فجوةً كبيرةً في الفهم. إنَّ الطريقة الأسرع لإشباع هذه الحاجة لدى الموظفين هي مشاركة المعلومات. لقد سمعنا جميعاً عن بعض القادة الذين يميلون إلى جمع المعلومات المهمة على اعتبار أنَّ هذه المعلومات ستكون بمثابة أداةٍ سُلطةٍ بين يديهم. ولكنَّ القادة ذوو الروح السخية يمنحون الموظفين فرصة المشاركة في العمل وأن يكونوا جزءً من الدائرة المُقرَّبة. لا تُعَدُّ مشاركة المعلومات، والخبرات، والأفكار بسخاءٍ وبلا قيود ذات فائدةٍ للموظفين فحسب بل هي طريقةٌ ذكية أيضاً من طُرُق القيام بالعمل.

يقول "ألبرت كاموس" (Albert Camus): "يتمثَّل الكرم الحقيقي تجاه المستقبل في منح كل ما نملك للحاضر". ولكنَّنا بصفتنا قادةً نبالغ في أغلب الأحيان في التركيز على الإنجازات المستقبلية وعلى فهم رؤيا المنظمة ونتجاهل نتيجةً لذلك الأشخاص من حولنا. لقد اعترف لي قائدٌ في إحدى شركات البرمجيات الناجحة في إحدى المرات أنَّه استيقظ في يومٍ من الأيام وقد أدرك حجم انفصاله عاطفياً عن العاملين في منظمته لأنَّه كان يركِّز بشكلٍ أكبر على الضرورات الاستراتيجية للشركة. لقد أصبحنا في هذه الأيام أكثر ميلاً لأن نكون أشخاصاً أنانيين. لقد أصبحنا انطوائيين على ذاتنا إلى درجة أنَّنا ومن دون قصد نستبعد الآخرين وغالباً لا نعي أنَّنا استبعدناهم إلَّا عندما يفقدون اهتمامهم. والأنانية بطبيعتها تمنع الكرم، فمن المفيد أن تتوقف بين الحين والآخر وتسأل نفسك: "هل أنا أمنح ما يكفي لمن حولي من الأشخاص؟ ثمة قريةٌ في إفريقيا تُلقى التحية فيها باستخدام هذه الكلمات: "أنا هنا إذا كنت أنت هنا". تخيَّل الهدية التي نمنحها للآخرين عندما نكون حاضرين معهم بشكلٍ كامل وعندما نعيرهم انتباهنا بشكلٍ فعلي. ربما هذا ما كان يعنيه "رالف والدو إمرسون" (Ralph Waldo Emerson) عندما قال: "الهدية الوحيدة هي هدية نفسك". لقد أنهى "بيل كلينتون" مؤخراً أحد خطاباته التي كان يلقيها على جمهور مُكوَّنٍ من 6000 شخص ناصحاً إياهم "بأن ينتبهوا إلى مزيدٍ من الأشخاص"، وسبق ذلك إشارته إلى جميع الأشخاص الذين يؤدون أعمال التنظيف من خلف الكواليس بعد أن يغادر الحضور. هل نحن ننتبه إلى الأشخاص الذين لا يلاحظهم أحدٌ في المنظمة، إلى أولئك الأشخاص الذين يعملون بصمتٍ خلف الكواليس؟

على الرغم من أنَّ "الكرم" إيثاريٌّ بمعناه المجرد إلَّا أنَّنا نستفيد منه على الرغم من ذلك في بعض الأمور التي تأتي على شكل إعادة تدويرٍ لنوايانا الحسنة، وفي الحصول على مزيدٍ التعاون، والشعور الخالص بالرضى بسبب رؤية غير ذلك من الفوائد التي نجنيها من تقديم أنفسنا، ووقتنا، وانتباهنا، ومعارفنا، وأفضل ما نملك إلى أولئك الذين نصادفهم في الحياة أو في العمل. لن نعرف أبداً حجم الفرص التي قد نضيعها من بين أيدينا إذا ما أظهرنا البخل. فمن الصعب تلقي أيِّ شيءٍ إذا لم نفتح أيدينا لنعطي شيئاً.

بالنسبة لنا كقادة فإنَّ عدم الاكتفاء بالتعبير الكلامي عن تقديرنا للأشخاص على العمل الجيد الذي يؤدونه بل إبداء إعجابنا الحقيقي بموهبتهم هو قمة سخاء الروح. هذا هو الفرق بين أن تقول لشخصٍ: "عملٌ رائع" وأن تقول له: "لقد كان ذلك في غاية الذكاء"، أو بين أن تقول له: "إنَّني أُقدِّر مساعدتك" وأن تقول له: "لم أكن لأقوم بذلك لولاك". وعندما يتعلق الأمر بالإشادة الذكية امنح إشادتك بشكلٍ جليٍّ ساطعٍ كضوء شمسٍ في وضح النهار. عندما ترى عملاً أُنجز بشكلٍ جيد عبِّر عن ذلك، عبِّر عنه مثلما تشعر به في أعماق قلبك. حرر أفكارك ودعها تنطلق، دعها تنطلق على شكل كلماتٍ كريمة وراقب ما ستحصل عليه. إنَّ العطاء هو المشاركة بلا حدود.

إليك بعض النصائح لتعزيز سخاء الروح لديك:

  1. أعطِ الأشخاص شعوراً بالأهمية:

يذكر كتاب "أديل لين" (Adele Lynn) الذي يحمل عنوان "بحثاً عن الرِفعة: دروسٌ من العُمَّال حول كيفية بناء الثقة" (In Search of Honor: Lessons from Workers in How to Build Trust) أنَّ 55% من العمال يُقدِّرون "منح الأشخاص إحساساً بالأهمية" بوصفه العنصر الأهم لبناء الثقة في مكان العمل. فكر في خطواتٍ بسيطة يمكنك اتخاذها الآن لتجعل الناس يشعرون بأنَّ العمل الذي يقومون به عملٌ مهم وأنَّهم هم بصفتهم الشخصية مهمون لفريقك.

  1. أعطِ التغذية الراجعة لا النقد:

إذا كان أسلوبك في القيادة يعتمد على النقد المتكرر فكِّر في بعض هذه الأسئلة: هل دافعك حقيقي، أم أنَّك تقوم بذلك لتحسين موقعك؟ هل تختار اللحظة المناسبة؟ هل توقفت للتفكير في الطريقة التي يمكنك من خلالها تقديم التغذية الراجعة للشخص والمحافظة على تقديره في الوقت نفسه؟

  1. أعطِهم الظهور:

إنَّ منح الآخرين إمكانية البروز في منظمتك هو هديةٌ خاصة تمنحها لمساعدة الآخرين على السطوع والنمو. إنَّني أشجعك على التفكير في الطريقة التي قد تمنح الناس قدرةً أكبر على التواصل مع كبار المديرين التنفيذيين ومع رئيسك. وخذ في حسبانك أيضاً أنَّ الأشخاص يفرحون لمعرفة أنَّ رئيس رئيسهم يطلع على المساهمات الرائعة التي يقدمونها للمشروع أو أنَّه يعرف بالجهود المضنية التي بذلوها في كتابة تقريرٍ لم يظهر اسمهم عليه. فمعرفة أنَّ قادتنا ينقلون صورةً جيدة عنا إلى الإدارة العليا هو محفِّزٌ حيوي ويعزز الولاء الشديد.

  1. قدِّم عطاءك من دون الكشف عن هويتك:

يتمثل السخاء الحقيقي للروح في أن تفعل لأحدهم شيئاً ما من دون أن يعلم أنَّك أنت من فعلت له هذا. تذكَّر شخصاً أو شخصين في منظمتك ممَّن يمكنك مساعدتهم من خلال زراعتك لبذور النمو المهني بالنيابة عنهم ربما من خلال قول شيءٍ إيجابيٍّ عن عملهم أمام شخصٍ مسؤول.

  1. اعرف متى تقدم عطاءك:

قال "مارتن لوثر كنج": سيجعل القانون القديم الذي يقول أنَّ العين بالعين الجميع عمياناً". فكِّر كيف أنَّ الاحتفاظ بالأفكار الانتقامية لن يعود عليك إلَّا بالعنف على الرغم من أنَّه هذه الأفكار ترغمك على الاحتفاظ بها في بعض الأحيان. من صفات الشخص الكريم ابتعاده عن الاستياء بشكلٍ كامل وأن يترفع عن كل ذلك. من يجب أن تسامح؟ وعن ماذا يجب أن تتخلى؟

  1. أعطهم التشجيع:

انظر من حولك وجِد شخصاً يحتاج إلى التشجيع واتخذ قراراً بمنحه ذلك التشجيع الذي يحتاج إليه. وتذكر أنَّ بعض الناس لم يتلقوا التشجيع في حياتهم أبداً من قبل لا من أساتذتهم، ولا من رؤساءهم، ولا حتى من أهلهم.

 

اقرأ أيضاً: 8 خطوات لتشجيع الموظفين على العمل كفريق واحد

 

  1. أعطِ الفرص:

إنَّ إحدى الهدايا الثمينة التي يمكن أن نقدمها إلى أحدهم هي أن نمنحه الفرصة. هل يوجد شخصٌ الآن يمكنك أن تمنحه فرصةً ثانيةً ليثبت نفسه؟ إذا كان هذا الشخص موجوداً ما هي الخطوات الفعالة التي يمكنك اتخاذها لإيجاد الظروف المناسبة لهذا الشخص ليحقق النجاح؟ ما هي الأبواب التي يمكنك فتحها أمام شخصٍ يستحق وضعاً أفضل ولكنَّ وضعه الحالي لا يتيح للآخرين ملاحظته؟

  1. ساهم بمعرفتك وخبرتك:

اتخذ قراراً بأن تتصدق بمعرفتك. ما هي المعارف، أو الخبرات، أو الممارسات التي يمكن أن تشاركها مع الآخرين كطريقةٍ لإغنائهم؟ للحصول على مزيدٍ من الأفكار اقرأ قصص قادةٍ آخرين مارسوا التعليم في منظماتهم ليحصل الجميع على الفائدة. على سبيل المثال كانت رزنامة "جاك ويلش" مليئةً بمئات الساعات التي كان يقضيها في تعليم الآلاف من مديري "جنرال إلكتريك" والمديرين التنفيذيين في المركز التدريبي للشركة في "كروتون أون هودسون" (Croton-on-Hudson)، أو "أندي جروف" (Andy Grove) المدير التنفيذي السابق لـ "إنتل" الذي كرَّس جزءاً كبيراً من وقته لتعليم الموظفين الجدد وكبار المديرين فلسفته حول كيفية القيادة في المجال الصناعي حيث يفقد الابتكار بريقه بسرعةٍ بالغة.

  1. امنح الدعم المعنوي:

من المعروف أنَّ الحديث أمام الجمهور هو من بين أكبر المخاوف التي يواجها ملايين الناس. في المرة القادمة التي تحضر فيها عرضاً تقديميَّاً يلقيه عضوٌ من أعضاء الفريق يبدو عليه القلق جرِّب أن تمنحه الدعم المعنوي. إنَّ من أبسط التصرفات التي تُعبِّر من خلالها عن كرمك هو الامتناع عن استخدام الهاتف، والتعبير عن موافقتك، والنظر بعينٍ ملؤها الرفق. وأخيراً فلتلهمك الكلمات الجميلة التي قالها "والت وايتمان" (Walt Whitman): "التعوُّد على العطاء يعزز الرغبة في العطاء". يشبه العطاء بناء العضلات فهو يتطلب التمرُّن والإصرار ولكنَّك عندما تتعود عليه ستصبح قائداً قويَّاً.

 

المصدر: هنا


المقالات المرتبطة