ماذا ستفعل إذا كان لديك بضع ساعات إضافية خلال اليوم؟ أستكرسها للعمل أم للراحة؟ وهل أنت مستعدٌّ لأن تضحي بالنوم في سبيل الحصول على تلك الساعات الإضافية؟ سنبحث في هذه المقالة عن علاقتنا مع النوم، وفي مفهوم التعلم في أثناء النوم (hypnopaedic learning)، وهل من المكن حقاً تعلم لغةٍ أجنبية في أثناء النوم؟

عندما يكون عقلك فوق الفراش: هل يقف النوم في طريق أحلامك؟

ينام الإنسان وسطياً ثماني ساعاتٍ في الليلة طيلة حياته التي تمتد وسطيَّاً قرابة خمسةٍ وسبعين عاماً ومن ثمَّ فإنَّ مجموع الساعات التي ينامها الإنسان في حياته تصل إلى حوالي 22200 ساعة. فماذا لو كان في إمكاننا استثمار هذا الوقت للقيام بأمرٍ مفيد كتعلم لغة أجنبية؟ أنا واثقٌ من أنَّ هذه الفكرة قد خطرت ببالك بينما أنت مستلقٍ في سريرك وتفكر في المواعيد التي تنتظرك في اليوم الآتي وتتساءل كيف سيكون في إمكانك التنسيق بين جميع تلك الأشياء وتقول: "لو كان لدي فقط بضع ساعات إضافية في خلال اليوم!".

في هذه الحالة أنتَ لست وحدك الذي تفكر بهذه الطريقة، فقد صبَّت عددٌ من الشخصيات المشهورة من أمثال بنيامين فرانكلن، وتوماس أديسون، وجون بون جوفي جام غضبها على تلك الفترة من الخمول في النشاط الذي تتميز بها الكائنات الثديية والتي تسمى النوم. حيث عبَّر فرانكلين عن ذلك بمقولته المشهورة: "سيكون ثمَّة ما يكفي من النوم في القبر"، وعبَّر بون جوفي عن الفكرة نفسها بطريقةٍ شعرية حينما قال: "لن أحتاج إلى سرير إلَّا حينما أصير تحت الأرض بستة أقدام، سأحيا طالما أنَّني على قيد الحياة، وسأنام عندما يحين موعد الموت". أمَّا أديسون فلم يكن حاقداً على النوم إلى هذا الحدّ، ولكنَّه كان ينظر نظرةً دونية تجاه أولئك الذين يفرطون في النوم: "إنَّ الأشخاص الذين ينامون ثماني أو عشر ساعات في اليوم ليسوا نائمين تماماً ولا مستيقظين تماماً، إنَّ لديهم فقط مستوياتٍ متفاوتةً من النعاس خلال الأربع والعشرين ساعة. غالباً ما نسمع الناس يتحدثون عن "الأرق" ويصفونه بالكارثة، ولكنَّهم من الأفضل أن يصفوا النوم بأنَّه ضياع الوقت، والحيوية، والفُرص".

لقد أدى هذا الافتقار إلى الحيوية في أيامنا هذه إلى ضياع الإنتاجية. لقد سمعنا عن مديرين تنفيذيين يتمتعون بمستوياتٍ عالية من الإنتاجية ويعملون في أغنى الشركات في هذا العالم وينهضون قبل ساعاتٍ من نهوض بقية البشر. ينهض "تيم كوك" (Tim Cook) المدير التنفيذي لشركة آبل عند الساعة 3:45 صباحاً كل يوم، ويردُّ على الرسائل الإلكترونية الواردة إليه، ويقوم ببعض التمرينات الرياضية قبل أن يتوجه إلى المكتب في الساعة السادسة. فالأشخاص الذين يستيقظون باكراً لا يكونون سبَّاقين وحسب بل ويكونون سعيدين في حياتهم أيضاً. ففي دراسةٍ أجرتها جامعة تورنتو في العام 2012 أجاب المشاركون عن أسئلةٍ تتعلق بالأنشطة اليومية، والحالة العاطفية، والمشاعر المرتبطة بالصحة. لقد كان الأشخاص الذين ينهضون في الصباح الباكر أكثر ميلاً إلى إظهار مستويات أعلى من العواطف الإيجابية. يُرجع الكاتب "ريني بيس" (Renee Biss) هذا الاختلاف في الإيجابية إلى حالةٍ تدعى "اختلاف التوقيت الاجتماعي" (social jet lag) أي أنَّ الأشخاص الذين يسهرون إلى وقتٍ متأخر لديهم أنماط نوم لا تتناسب مع النمط الاعتيادي لحياتنا والذي نعمل فيه من الساعة التاسعة إلى الساعة الخامسة. كما أظهر المشاركون الشباب المفعمون بالحيوية والمغرمون ببناء العلاقات مستوياتٍ أدنى من السعادة موازنةً مع المشاركين الأكبر سناً.

قبل أن نعيد ترتيب حياتنا ونضبط المنبه قبل ساعةٍ أو ساعتين من الموعد المعتاد يجب علينا العودة خطوةً إلى الخلف. فجميع الأشياء التي سبق ذكرها هي أشياء شخصية أي أنَّها خاصة بأشخاص معينين، وموازنة نجاحك بالنجاحات التي يحققها المديرون التنفيذيون أمرٌ لا معنى له، والعمل من الساعة الرابعة للرد على رسائل البريد الإلكتروني ليس هو بالضبط ما يحدد نجاح جميع الأشخاص. ما هي بالضبط طبيعة العلاقة السببية بين النوم والنجاح؟ هل الأشخاص الذين يستيقظون باكراً ينجزون أكثر من غيرهم لأنَّهم ينهضون قبلهم، أم لأنَّهم ضحايا لاكتظاظ برامج العمل الذي يرافقهم في أثناء صعودهم للسلم المهني؟ ثمَّة أخطارٌ حقيقية تنجم عن الحرمان من النوم ترتبط بالإصابة بمجموعة من الأمراض ابتداءً من الآلام الخفيفة إلى أمراض القلب والسكري. لقد ألقت ضغوطات الحياة المعاصرة وأساليبها بتأثيرها علينا، فالأمريكيون اصبحوا ينامون أقل بساعةٍ مما كانوا ينامونه قبل ستين عاماً، كما أنَّ 36% منهم تقريباً يعانون الحرمان من النوم، وهذا ما يُعَدُّ بمنزلة مشكلة صحية عامة. يستطيع 5% منا فقط النوم أقل من ست ساعات في اليوم وهذا يعني أنَّك تحتاج على الأرجح إلى مزيدِ من ساعات النوم.

إذاً إلى أين نريد الوصول؟ لا تقدم لنا الحياة المعاصرة كثيراً من الوقت، كما أنَّها لا تتيح لنا المجال للحصول على ما يكفي من النوم، إذاً ماذا يجب علينا أن نفعل لإيجاد الوقت للقيام بأمرٍ مهمٍ ويساعد على تلبية التطلعات مثل تعلم لغة أجنبية.

هل يمكننا التعلم في أثناء النوم؟

إنَّ التعلم في أثناء النوم يعني اكتساب المعلومات في أثناء النوم. من الصعب الربط بين التعلم والنوم، ولكنَّ ذلك لم يمنع عدداً من العلماء من المحاولة. ففكرة تشغيل مسجلة والخلود إلى النوم لتستيقظ بعد ذلك وقد أصبحت طليق اللسان تبدو فكرةً مثيرةً ولكنَّها فكرةٌ غير منطقية في الوقت نفسه. ولكن ربما لا يجدر بنا تجاهل القوة التي يتمتع بها اللاوعي، فثمَّة العديد من التقارير التي تتحدث عن أشخاص استيقظوا من الغيبوبة وقد اكتسبوا بشكلٍ مفاجئ خبرةً بلغةٍ لم يكونوا يستخدمونها من قبل. فقد قضى شخصٌ أسترالي يبلغ من العمر 22 عاماً أسبوعاً في غيبوبة وعندما استيقظ منها كان في استطاعته أن يتكلم الصينية بطلاقة. أو كلاعب كرة القدم الإنكليزي الشاب الذي استيقظ وهو يتكلم الفرنسية بطلاقة ويظن نفسه الممثل "ماثيو ماكنوتي" (Matthew McConaughey). أو تلك الفتاة الكرواتية التي استيقظت فجأةً وهي تتحدث الألمانية.

إذاً ما الأدلة التي تشير إلى إمكانية التعلم في أثناء النوم؟ للأسف ليس ثمَّة الكثير منها، فكما تشير "جينفر أكرمان" (Jennifer Ackerman) في كتابها الرائع "مارس الجنس، ونَمْ، وكُلْ، واشرب، واحلم" (Sex Sleep Eat Drink Dream) الذي نشرته عام 2007: "يُعدُّ التعلم في أثناء النوم، والذي هو بمنزلة اكتساب معلومات جديدة، أمراً مستحيلاً على الأرجح، ففي إحدى التجارب باءت محاولات تعليم الأشخاص البالغين مفرداتٍ من لغةٍ أجنبية في أثناء نومهم بالإخفاق". ولكن أشارت دراساتٌ حديثة إلى الفوائد التي تحملها مراجعة المعلومات القديمة في أثناء النوم، ففي عام 2012 قام باحثون من جامعة "نورث ويست" بتعليم المشاركين أغنيتين بسيطتين ثم أعادوا تشغيل إحداهما على مسامع المشاركين في أثناء نومهم. تمكَّن المشاركون من تذكر الأغنية التي سمعوها في أثناء نومهم بشكلٍ أوضح من الأغنية الأخرى. كما أظهرت دراسةٌ أُجريت في العام 2014 حول تذكر المفردات التي تم تعلمها حديثاً النتائج نفسها. وأظهرت الدراسة أنَّ إعادة سماع الكلمات الأجنبية في أثناء ما يُسمى نوم حركة العين غير السريعة (non-REM sleep) قد حسَّن القدرة على إعادة تذكر هذه الكلمات، كما لاحظ الباحثون أيضاً أنَّ أنماط ترددات موجة ثيتا (theta wave) عند المشاركين في الدراسة كانت ترددات هذه الموجة نفسها التي ترتبط بالترميز الناجح للذاكرة في أثناء فترة اليقظة.

إنَّ هذا مثيرٌ للاهتمام ولكنَّه لا يزال بعيداً عن حلم الوصول إلى التعلم الآلي اللاواعي. يقول "فلورنس كاردينال" (Florence Cardinal) العامل في مؤسسة النوم الوطنية الكندية: "إنَّ اضطراب أنماط النوم بهذه الطريقة يتطلب بقاء الدماغ مستعداً للاستماع وهذا ما يمنعك من الحصول على نوعية النوم التي تُعدُّ في الواقع مهمَّةً للعقل". إذا استثنينا تسجيل قوائم المفردات لإعادة تشغيلها على مسامعك كل ليلة، فإن الأمر يبدو كأنَّه يتوجب علينا العودة إلى ساعات الاستيقاظ لتعلم اللغة. ولكنَّ هذا لا يعني أن نفقد الأمل نهائياً، فربما يمكننا أن نتعلم شيئاً ما من الأشخاص الناجحين ومن أولئك الذين يستيقظون باكراً.

هل من المفيد التعود على نمطٍ مُعيَّن؟

إنَّني أراهن على أنَّ المديرين التنفيذيين والأشخاص كبيري السن الذين أشار إليهم "بيس" في كتابه لديهم على الأقل شيءٌ واحدٌ مشترك وهو أنَّهم أشخاصٌ معتادون على نمط حياةٍ محدد. فبينما ينام الأشخاص الليليون في أوقات غير محددة، فإنَّ الأشخاص الذين يتعودون نمطاً مُعيَّناً ينهضون في الوقت نفسه ويبدؤون بالأنشطة نفسها وبالتسلسل نفسه كل يوم. تزداد العادات وتتعزز كلما كبرنا في السن، كما أنَّها تتجمع في بداية اليوم وفي نهايته. فأول شيءٍ تقوم به في الصباح هو على الأرجح أول شيءٍ تقوم به في كل صباح، سواءٌ كان هذا الشيء إمساك هاتفك والتحقق من رسائل البريد الإلكتروني، أم النهوض من السرير لإعداد الشاي للحبيب الذي ينام بجانبك.

إنَّنا نادراً ما ننتبه إلى هذه العادات. فهل أنت الذي تقرر بمحض إرادتك أنَّه يجب عليك التحقق من هاتفك مباشرةً بعد النهوض من النوم، أم أنت ضحية الظروف؟ يرن المنبه في هاتفك فتمسك هاتفك وتطفئه وتتحقق من وجود أية رسائل واردة حديثاً إلى بريدك الإلكتروني. إنَّ أنماطنا السلوكية المتكررة تنطبع في مسالكنا العصبية. ربما يكون الأمر الأهم في الوصول إلى حياةٍ أكثر حيويةً وإنتاجية هو تأسيس العادات والتكيف معها لتعويد النفس على تحقيق الإنجازات المرتبطة بهدفك المرجو. بدلاً من التحقق من الرسائل التي لن ترد عليها على الأرجح في الساعة السادسة والنصف صباحاً يمكنك الاطلاع على بعض تصاريف الأفعال أو تعلم كيفية وصف أعمالك اليومية باستخدام لغةٍ أجنبية وأنت تحتسي فنجاناً من القهوة أو الشاي وذلك بعد أن تكون قد حصلت على ما يكفي من النوم في أثناء الليل بالطبع.

 

المصدر: هنا


المقالات المرتبطة